




Ce vendredi la police est sous nos fenêtres, elle nous attend. Nous ne viendrons pas, nous ne sommes pas des imbéciles, nous savons nous taire quand la mort nous encercle, nous savons aller à l’essentiel quand vous nous convoquez toujours à l’accessoire. Nous ne viendrons pas, mais tous ces frères, ces fils, de bleus vêtus, casqués, bottés, jetés dans les rues parfois sans masque, et sans rien à manger puisque tout est fermé, témoignent de votre peur plus que de la nôtre. Ne vous inquiétez pas, nous ne viendrons pas, nous savons que comme un bourdon nous sommes dans vos têtes et que nous chantons, des chants de combat. Ce ne sont pas vos bâtons que nous craignons mais votre absence à nous protéger.
Ni du chômage, ni de la misère, ni des patrons milliardaires, ni des virus, ni de la prison que vous ouvrez comme si les corps que vous y jetez, pour un mot, une liberté prise, vous appartenaient. Ne vous inquiétez pas, ce vendredi, le peuple ne viendra pas, il ne sera pas là dans son infinie sagesse pour défaire cet état abimé que vous maltraitez en nous insultant, nous le porterons sur nos épaules, nous continuerons à défendre les services publics, dans les hôpitaux, les écoles et même dans les commissariats et les casernes. L’état algérien, c’est ce peuple abandonné qui le protège car il y tient.
Rappelez vous quand l’été 62, les chefs de la révolution se disputaient le pouvoir, ce sont les paysans qui ont fait les labours, inventé l’autogestion pour nourrir la nation.
Rappelez vous quand, 58 ans plus tard, vous poussiez un homme mort, c’est encore le peuple qui est sorti pour défendre la survie d’une nation, vous défendre et vous protéger de vos démons. Hier, il marchait, aujourd’hui il ne marchera pas, exactement pour les mêmes raisons. Vous nous devez tant que vous ne pouvez rien pour nous, et ça, malheureusement, nous le savons. Du haut de vos absences à quoi pensez vous quand vous nous déclarez coupables de troubler l’ordre public, de ne pas respecter les gestes barrières, alors qu’on en meurt sans ambulance ?
Si nous courons comme des damnés, dans tous les sens, du matin et même le soir, c’est parce que ce sont nos corps qui sont les digues de ce que matin et soir vous défaites, nous faisons notre boulot de peuple gardien de la République algérienne, populaire et démocratique. Nous courrons pour un savon, une seringue, un vaccin, un respirateur, un boulot, un peu d’argent devant des postes vides, nous courrons pour que nos enfants aillent à l’école et devant nos hôpitaux encore nous courrons, nous courrons pour du pain et des jeux, nous courrons, nous rions et nous pleurons.
Nous tenons nos promesses même si nos cœurs sont blessés. Et vous, qui parlez tant, quelles sont donc vos promesses à part le deuil d’un peuple ?

· لم تجد السلطة غير الإذعان لحقيقة المقاطعة الواسعة للاستفتاء حول « الدستور »
فأعلنت، على لسان رئيس سلطة الانتخابات، بعد نحو أربع ساعات من إغلاق مكاتب الاقتراع أن نسبة المشاركة لم تتجاوز 23.7 بالمائة، وقد اعتبر محمد شرفي الرقم دليلا على نزاهة الانتخابات وأن عهد التزوير قد ولى، وهذا كلام ينطوي على مغالطة.منذ أشهر تعيش الجزائر حالة غير مسبوقة من خنق حرية التعبير، حيث تم تجنيد وسائل الإعلام، العمومية والقنوات التلفزيونية الخاصة وأغلبية الجرائد أيضا، للدعاية لمشروع السلطة في ظل قمع استغل الوضع الصحي ليخلق صورة وهمية عن ميزان قوى مختل بشكل كامل لصالح السلطة منذ أن قرر الجزائريون وقف المظاهرات بسبب الوباء في 13 مارس الماضي، وكل هذه الأوضاع لم تمكن السلطة من إقناع الأغلبية بالذهاب إلى صناديق الاقتراع رغم الاستغلال المشين لرمزية أول نوفمبر.قدمت السلطة مشروع الدستور كنص مؤسس لما تسميه الجزائر الجديدة، وهذا يجعل نسبة المشاركة المعلنة وهي نسبة لن تسلم من شبهة التضخيم في كل الأحوال، علامة فشل كبير باعتبار أن الرهانات المرتبطة بالاستفتاء تتعلق أساسا بحسم مسألة الشرعية، شرعية تبون الذي تم فرضه في انتخابات قاطعتها الأغلبية وتم تنظيمها في ظروف استثنئاية، ثم شرعية النظام الذي يريد أن يعطي لتجديد واجهة الحكم بعدا آخر باعتماد نص مؤسس جديد.
هذه هي التفاصيل التي تجعل الاستفتاء مهما بالنسبة للسلطة، كما تجعل مقاطعته فشلا تاريخيا يعصف بمسار الالتفاف على السلمية واحتوائها والقفز على مطالبها، ثم إن ما حدث اليوم سيفتح الباب واسعا أمام تعميق أزمة النظام المقبل على مواجهة تحديات أخطر في المستقبل القريب.دون المجازفة بتصنيف من أدلوا بأصواتهم اليوم فإن النسبة المعلنة تؤكد أن النظام فشل في الحفاظ على قواعده السابقة، وعندما يتم حذف المصوتين بـ « لا » سيتبين أن ما كان يسمى بالوعاء التقليدي للسلطة انكمش أو يكاد يتبخر، وهذه نتيجة منطقية للاعتماد على الشبكات التقليدية التي تم استهلاكها طيلة عشرين سنة من حكم بوتفليقة التي انتهت بثورة سلمية رفعت شعار التغيير الجذري لنظام الحكم، لكن ليس هذا فحسب، فالاستفتاء كان مناسبة للفرز حيث أنه وضع دعاة المشاركة بلا ضمن الأقلية، وهو ما يعني أننا صرنا أمام معسكرين أساسيين الأول يمثله الرافضون لمسار السلطة وخطتها وهم أولئك الذين قاطعوا، والثاني يضم دعاة المشاركة بصرف النظر عن الموقف من المشروع محل الاستفتاء، والخلاصة هي أن مطلب تغيير النظام حقق اليوم تقدما كاسحا في وجه مطلب الإصلاح التدريجي أو التغيير من الداخل، بما يعني أن أدوات النظام وأساليبه لم تعد صالحة لتقديم الإجابات على الأسئلة الحرجة التي تفرضها المرحلة.نسبة المشاركة هي رسالة أيضا إلى تلك الفئة من المرشحين للعب دور النخب الجديدة للنظام، ومفاد الرسالة أن القطيعة مع النظام أعمق مما كان يتصور أكثر الجزائريين راديكالية، وأن ما جرى اليوم هو إشارة مبكرة إلى الإصرار على تغيير النظام والذي سيتم التعبير عنه لاحقا بأساليب مختلفة، وقد لا تكون هناك فسحة لمن أغرتهم مرحلة الارتباك بالبروز إلى الواجهة.أول نوفمبر كان تأكيدا على أن الجزائر لن تعود إلى 21 فيفري 2019 وليس للنظام ما يقترحه غير العودة إلى ذلك التاريخ.

ليست تصعب عملية التغيير في الحاضر سوى لأنها تصعب أكثر في الماضي، في المفاهيم التي تم صكها أو تشويهها وابقاؤها في ثابت خطاب الماضي ما جعل العقل الوطني يعجز عن فهم ما جرى ويجري الآن وهو ما سيعجزه طبعا عن استشراف المستقبل.
من مصاعب الماضي المستمرة التي تشوش على العقل الوطني وتحول دون تطوره لغة الثوة ومنعوتاته ومنحوتاتها خاصة تلك التي توظف في الخطاب السياسي فى الاعراس الانتخابية كنعت (الحركى) الذي يستعمل بإفراط وشطط كبيرين من قبل حملة الدعاية الأيديولوجية المعادية لكل مشروع جديد مجدد لمعنى الوطنية.
في المفهوم اللحظي للكلمة والنعت الذي حملته، كانت تشير إلى أولئك الأفراد من للآهلي الذين تعاملوا مع الاستعمار ضد وطنهم وضد ثورة التحرير لاعتقادهم باستحالة اندحاره (اتلاستعمار) وبالتالي الاستفادة من مزايا وجوده على حساب بقية الآهلي والشعب الآخرين .
وحسب رئيس الحكومة المؤقتة الراحل بن يوسف بن خدة، فإن أعدداهم كانت كبيرة جدا بعكس ما يتم أحيانا تصويره من كونهم حالات شادة، غاية ما في الأمر هو أن درجات وحجم تعاملهم مع الاستعمار اختلفت بين فئة وفئة وشخص وشخص، مثلما اختلفت الاسباب التي أدت بهم إلى انتهاج هذا السلوك الخيباني لبلدهم، لشعبهم وقبل ذلك لأنفسهم حتى.
من أجل ذلك لم ينظر إليهم الشعب بنظرة واحدة ولم يتصرف معهم بالانتقامية البشعة في غمرة الفرحة بالاستقلال، وهو ما يكشف حجم وطبيعة التسامح الكبير الذي يكتنزه ويختزنه الشعب الجزائري في مكنون شخصيته ونفسيته بعكس ما تسوقه عنه عدة جهات تدعي التخصص في نفسيات وشخصيات الشعوب والأفراد.
بيد أن ثورة الدولة (دولة الاستقلال) التي ورثت السلطة عن دولة الثورة (الحكومة المؤقتة) عملت في مخططها على بناء خطاب ايديولوجي للثورة يفصل بين الممارسة والسلوك، النشاط والشعار حد التناقض الذي لا يفهمه إلا من رسخ نظره في عمق مكنون هذا الخطاب ومناطق العتم فيه، إذ في الوقت الذي كرست وكررت فيه العداء للحرْكى ليس كعمل معزول بل كاتجاه عام، حرصت على عدم نعت الفارين من الجيش الفرنسي بمصطلح خاص يُمعْلِمهم في التاريخ الوطني، وبذلك ورث الجزائريون من أبناء الحركى عورة أبائهم وكأنها عورة جينية في حين اندمج أبناء الفارين في اللحظات الأخيرة من الاستقلال في المجتمع بلا مائزة أو تمييز أو نبز بلقلب!
نفس الشيء واقع اليوم مع من عادوا إلى المجتمع ممن رفعوا السلاح ضد انقلاب 1992 أين خلدهم الرسمي والاعلامي الموجه بالارهابيين التائبين وحمل ابناؤهم ابناء الارهابيين التائبين، في توظيف استراتيجي للغة في التاريخ سيكون لها المفعول الذي سيأتي في هذا المقال، ذلك لأن اللغة في السياسة هي أول أدواتها وأسلحتها التي لا تتقادم !
وطالما أن الخيال والعاطفة الوطنيتين هما من صنعة اللغة دون سواها، فالظفر بمعركتها هي محور اهتمام السلطة حتى لا تفقد الكثير من مخزونها الايديولوجي وهذا باستحثاث الذاكرة وما تحجر فيها من مفردات تحمل في دلالاتها مقدسات ومآسي الشعب.
هكذا حرص على أن يمضي الخطاب الوطني الواقع في قبضة السلطة التي تأبى إلا أن تتجسد الثورة والتاريخ إلا فيها وبالتالي تحتكر المرجعية الوطنية، أعاق كل مساعي تطور مفهوم الوطنية كأول سبُل تحقيق التغيير السياسي بالبلاد، فالحرْكى أريد لها أن تظل محبوسة في الماضي ومعينة في اتجاه خاص دون تمتد إلى الحاضر وتأخذ بالتالي ما تستحقه من عناية في الدراسة والرؤية كونها عنصر فاعل في التاريخ إلى اليوم .
ولكون الوعي الوطني لم يتطور بعدم تطور خطابه، راحت تفلت منه حقيقة أن الحرْكى هم من خدم فرنسا في الماضي ومن يخدمها في الحاضر، فكما تطور الاستعمار في التاريخ من عنف الحضور العسكري على الارض إلى عنف الحضور الاقتصادي والثقافي والفكري، فإن جنوده المتواطئة لا تزال مستمرة إلى اليوم تمنحه السيادة والقيادة وكل خيرات ومصائر الأمة.
فعلى الفكر الحراكي أن يتحرر أولا من أثقال ما حمل الخطاب الوطني الأول من ضلال، لأن أول المعارك الثورية هي معركة الوعي، وهاته الأخيرة ترتكز بالاساس على معطى اللغة وأسرها وسحرها، فالموت البشع ليس ذلك الذي يقع في سوح النار والغبار بل في الخيال والافكار، ومصداق يماثل ذلك، قال به المفكر الكبير مالك بن نبي وهو يصور حجم دمار العالم الاسلامي مرجعا اياه إلى القابلية للاستعمار التي تسكن نفسية وخيال المسلم والعربي طبعا لكونه مهزوما في الوعي بالتاريخ قبل هزيمته بأشياء التاريخ.
في الأخير كنت قد رددت صديق على مواقع التواصل الاجتماعي حين نشر على صفحته ما اعتبره دليلا على كون احد وزراء الجزائر من أحفاد حرْكي بأن اللاعب الدولي السابق في منتخب كرة القدم لسنوات الثمانينات عبد المجيد بوربو كان قد أجاب عن سؤال طُرح عليه بهذا الخصوص قائلا (نعم أنا ابن حرْكي لم اخفي ذلك على أحد ولكنني لست حركي أنا ابن حركي.. ابن حركي) بما كان يفيد تبرؤ الابن من توجه والده الخاطئ، ليخدم الوطن بتفان في مجال كرة القدم، في حين تبدو العصابة التي تحاكم حاليا أكثر عمالة وأكثر (حرْكية) من حركى الماضي بحجم ما قدمته من خدمة لفرنسا واقتصادها، فهل سنظل عالقين بإرادة خطاب قديم يحشرنا ويحصرنا في عورة الحركى القديمة وننسى الحركى الحالية لمتواصلة بأشكال عدة تحول دون أن نخرج من أسر الخطاب الوطني المتهالك ونحقق التغيير المنشود .
بشير عمري
كاتب صحفي جزائري

ليس ما يفرق بين دول العالم من حيث سلامة البنية وسلاسة المسارات العمل الوطني سوى سيطرة سلطة القانون على كل مؤسسات الدولة، فلا شخص ولا جماعة ولا فكرة بوسعها أن تفلت عن مدار الاجذب ولتأطير القانوني الذي يغطي كامل حدود الحركة داخل الوطن، والأمم التي تمتثل لهذا الاطار قضت على كل مشاكلها السياسية وتحكمت في تدافعات أصحاب الرأي وجماعات النفوذ وحققت الفقزات المرجوة في التاريخ، أما الدول التي ليس فقط، لم يسيطر فيها القانون على الجميع بل يُسيطر عليه من قبل البعض ليُسلط على الجميع، فقد ظلت عاجزة عن تحقيق مجرد الاقلاع باتجاه الافاق الموعودة خطابيا دون حركة من ساسة وحكام أصحاب هذا الثقب في المنظومة الذي يُعجز أزليا الوطن والمجتمع عن النمو والتطور ويبقيه يدور في حلقته الفارغة الأولى.
وفي هذا الاطار تحديدا أنتقد سفيان جيلالي رئيس حزب الجيل الجديد المقرب من دوائر السلطة حاليا موقف المسايفة الحاصلة بين فرقاء الهوية المرسومة في الدستور المعروض على الاستفتناء في الفاتح من نوفمبر القادم، مستغربا من ثائرة هؤلاء على الرغم من أن مثلث الهوية الاسلام، العربية والامازيغية، نصت عليهما كل الدساتير السابقة من دون أن يثار حول ذلك جدل بالحدة الحاصلة اليوم.
وحسب المتحدث دائما أي سفيان جيلالي، هكذا موقف إنما يؤكد صحة وسلامة رأي الرئيس عبد المجيد تبون حين طلب من لجنة إعداد الدستور التي ترأسها لعرابة بعدم فتح ملف الهوية الملغوم، كما ويبطل دعوة الداعين إلى مجلس تأيسي كون ذلك سيشهد حربا ضروس حول الهوية قد لا يخرج منها أبدا.
هنا نتوقف حول جزئية مهمة جدا في إشكال الهوية التي تأتي في سياق ثورة الحراك الشعبية، لنُري للاستاذ سفيان أن في التاريخ تتغير المواقف وتتطور الافكار وتجمح الرغائب حين تتحرر الضمائر وينجلي الوعي، فالفترات التي لم تشهد احتاجا على ثلاثية الهوية كانت فترات ركود سياسي وقهر وتوظيف العنف بأشكال متعددة لترويض الأصوات المخالفة، ولكن حين كسر الشعب كل ذرائع وجُدر الخوف سيظهر ما يبطنه من مراجي وطموح وأشياء تعلق بوعييه، وهذا في حد ذاته قد يعبر عن حقيقة الثورة الحراكية وينقض القول الذي يريد اختزالها في احتجاج على عهدة خامسة، إذ يظهر الاحتجاج من خلال زخم المطالب التي اندفعت بقوة الحراك المدفوعة بدورها بحجم الوعي المبلوغ، أنه (الاحتجاج على العهدة الخامسة) لم يكن سوى شرارة لثورة ظلت خامة ومختزنة بكل أشيائها في الضمير الوطني.
أما عن المجلس التأسيسي كإطار لرسم الدولة، فرفضه لمن حسنت نيته، فهو ينطلق من وعي قديم خاطئ بث في ضمائر الناس من أجل التحكم فيها واسترهابها من نفسها، إذ بمجرد القول بأن الهوية خطر على الشعب فإن ذلك يعني التأكيد على أن الشعب ليس متماسكا بوعي العيش المشترك الذي نسجته قرون عدة من الوجود التاريخي للأمة وأن ثمة آلية أو جهة أو تيار هو من يضمن تلك الوحدة بل ويفرضها وإذا ما راح هذا التيار أو الجماعة راحت معه الوحدة وانفرط عقد الوطن، وهنا تحديدا يمكن ويسكن الاستبداد، الحاجة المصطنعة غير الوعي لضمان بقاء الوحدة الوطنية أخطر ما يتهدد البلد وأكبر من يعيق الاقلاع الوطني!
واضح إذن أن مخاوف البعض بخصوص التأسيس الرمزي للدولة وفق مكونات تنوعها الأساسية في العرق والثقافة إنما هي وسيلة لملء فراغ المشروع الوطني الذي سقطت فيه دولة ما بعد الاستقلال نتيجة استحواذ العسكري على السياسي وعسكرة السياسة ثم تسييس العسكر، لهذا ظلت كل الأطر القانونية التي تضخمت في النصوص وهزلت بل وغابت في الواقع أداة ايهام وإلهاء صناع الخطب السياسية والمتعاكرين في سوح وسفوح الفراغ الوطني!
فطالما أن مسار النضال لتحرير السياسة من هيمنة القهر والتوجيه، فكل ما سينتج عن سلطة القهر هاته من مؤسسات ونصوص لن يعدو الاطار الصوري والشكلاني الذي صار خاصية بل ومدرسة جزائرية خاصة في السياسة والحكم، سلطة برأسين ظاهر وباطن، نصوص تمنع الانحراف ولصوص تمتنع عنها وتحترف الانحراف، حتى بلغ بالدولة ما بلغ من فضائح العصابة الصغيرة التي يتم محاكمتها اليوم جعلها أضحوكة العالم والكل يتساءل أين كان مصلح أجهزة الرقابة العاطلة حتى يحدث كل ذلك النزيف من الاموال والخيرات، ليصل إلى قناعة أن تلك الاجهزة والمؤسسات المنصوص عليها بكثرة في النصوص معطلة ومعطل معها من يفترض أنه مصلح العطل!
فاحتكار العملية السياسة وإدارتها وتنظيمها واعتماد نشطائها وفق انتقائية، من سلطة القهر يعني أن هاته السلطة هي من يسوغ لها خلق وخرق الدستور وقتما ما شاءت وكيفما شاءت لأنها ببساطة تخشى على الوطن وحدة وسلامة ونماء من مجتمع لم يتطور في وعييه وثقافته ولم يتعلم من دروس القرون والسنين كيف يشكل ويعيد تشكيل تصوره للوطن الواحد وفق تطور أنساق الوطنيات في أدب وفكر السياسة والتاريخ وأشكال الدولة، من خلال جمعية تأسيسية تفصل الخطاب بصفة نهائية وتخلص الوطن من قلق الهوية المصطنع.
بشير عمري
كاتب صحفي جزائري

كل الأنظمة السياسية التي لها مشاكل في الحاضر، لها بالضرورة مشاكل في الماضي، لهذا تشمل في دأبها ضرب حرية التعبير على مستوى المديات الزمنيبة الثلاث، الماضي، الحاضر والمستقبل، بمعنى أنها تحتكر التاريخ وحكاية الوجود الوطني، قبل أن تحدث الثورة أو الانتفاضة في الوعي فتفتح سراديب الذاكرة بالعنف الثوري مثلما حدث في أكثر من حالة في تاريخ الدول والأمم.
في الجزائر اعتبر التاريخ الوطني دوما مجالا لاشكال الحاضر وعنصر من عناصر الأزمة على كل المستويات، إذا ما ترك متحفه السردي مفتوحا للجميع، لهذا عمل النظام على بسط سيطرته عليه وتدثيره بغطائه الغامق الغامض، والاكتفاء بروايته الخاصة التي تخدم بقاءه وتبرر وسيلته في السيطرة على الحكم، والسيطرة على التاريخ هي بشكل من الأشكال سيطرة على العقل على المعرفة.
بذات الأسلوب عاد نهاية القرن الماضي أحد رجالات النظام ممن حرفوا حقائق التاريخ الوطني لا سيما في مجال العمل السياسي والوطني وتبلو الفكر الثوري إلى غاية انبثاقه وتفجر الخلافات بين شركائه، ونعني به عبد العزيز بوتفبيقة الذي جيئ به لينحت في الظلام والصمت مصالحة وطنية تحمل في حيثياتا ما ينقضها بالاساس وهو كونها جاءت مفروضة شكلا ومسارا وقانونا لأن المصالحات في العالم إنما يفرزها مخاض الحقيقية بين أطراف النزاع والصراع، وهو ما يجعل الحقائق تتجلى والتاريخ يتموضع!
في ظل هاته التقاليد في التعامل مع تاريخ البلد التي رسخها نظام الحكم المأزوم المثقل بالمشاكل مذ سطى على السلطة بالقوة بذريعة تجنيب البلاد حرب أهلية، يتساءل البعض ما الذي ستكتبه عناصر ما تسمى بـ”العصابة” اليوم في مذكرتها إن هي كتبت طبعا؟
المذكرات السياسية التي حتى وإن اعتبرها الكاتب لجزائري عبد العزيز بوباكير ليست بالوثيقة التاريخية، كونها تتصل أكثر بالرواية الذاتية المنصرمة عادة من مساقات ومستلزمات الموضوعية، إلا أنها بتضارب مضامينها والسجالات والردود التي تحدثها وسط الفاعلين في التاريخ تتيح فرصة للاجيال من خلال تلك التناقضات والتعارضات أن تشكل صورة تاريخية بمعزل عن تلك الذاتيات وعن هلامية الرواية الرسمية، وثقافة المذكرات في الجزائر هي في عموم ظاهرتها جد حديثة ومما أتاحه عصر ما يمسى بالانفتاح السياسي بعد أكتوبر 1988 إذ مثلما خرجت الحزبية من سريتها خرجت الذاكرة أيضا لكن باحتشام واستحياء من سراديبها، إما خوفا من الامتيازات المادي المتحصل عليها في ما يسمى بـ”العائلة الثورية” وإما مخافة أن يتعرض صاحب المذكرات لعرض حقائق ضده !
بالعودة إلى سؤال العصابة ومرحلتها الوسخة والتي لم تزد شريط النظام القاتم سوى قتامة بما طبع فترتها من فساد واضطهاد وتكسير للقيم الوطنية وأخلاق الدولة، مستظلة في ذلك لعقدين من الزمن تحت عرش بوتفليقة وعائلته وأزلام نظامه، فما الذي ستكتبه حقا عن مرحلتها تلك للأجيال القادمة؟
المؤكد أنها ستتبرأ من كل ما يدينها من الحقائق التي جلاَّها التاريخ وخلدها بوسائله وتكنولوجياته الاستثنائية، وستخترق هاته المعطيات في المنافحة والمدافعة على عذريتها بالقول أن الصور والأصوات كانت محرفة والمحاكمات موجهة، وهي كلها حقائق على الحقائق، ما يعني أن التاريخ الوطني لا يحرف في آليات ومحتويات سرده فقط بل في مجراه ومسراه، حين يتم مزج السياسة بالقضاء والاعلام وفق استراتيجية معقدة لاحتواء المرحلة والمرور من مأزق اللحظة .
فسيكتب لا محالة أويحيى ويوسفي وسلال وغيرهم ممن وصلوا إلى مستويات عليا في السلطة، وعاثوا فيها فسادا وإفسادا أن ما حدث (يحدث الآن) داخل الأجهزة لم يكن سوى مسعى للافلات من ثورة الحراك، وأنهم كانوا مجرد قرابين ليس غير، ويستغرقون في سرد تفاصيل خلافاتهم الشخصية مع من ضحى بهم على مذبح الثورة، غير مكترثين بسرد بالعناصر الاشكالية الكبرى في السياسة والتاريخ الوطني التي أوصلتهم وأوصلت الأمة معهم إلى هكذا وضع.
إذن التاريخ ليس ذكريات بل هو سيرورة ممتدة كالنهر عبر الزمن، وما يحصل حاليا إن لم تهتم به نخب الحراك تفكيكا وتحليلا وتدوينا فستكون قد خانت الأجيال القادمة، مثلما خان الجيل الأول من تبعه بخصوص اشكالات الثورة والاستقلال، لا سيما إذا تضاعفت أزمة هاته الاجيال القادمة بأن تستمر أزمة الحكم الحالية وتسلتم معها الارث المسموم الثقيل أسمه الحقائق المدفونة وتعاظم بالتالي سؤال التاريخ الوطني المحرف.
بشير عمري
كاتب صحفي جزائري

ها هي ذي ذكرى أخرى من جملة محطات الكفاح التاريخي للمجتمع الجزائري باتجاه التحرر والانعتاق، واستعادة سيادته على مصيره، ذكرى انتفاضة أكتوبر 1988 التي تمرد من خلالها الشعب على رداءة مشروع دولة المصادرة للتاريخ والاستقلال والسيادة، يوم خرج الناس صادحين صائحين بنفاذ صبر الأجيال على منظومة تقود البلد حقبة بعد أخرى نحو المجهول، فأسقطوا في تلك الانتفاضة التي سبقت سقوط نظم الاستبداد في المعسكر الاشتراكي الأوروبي، صنم الحزب الواحد لكن تبين أن هذا الصنم كانت به روح لا تزال كالشبح تذبح كل مساعي التغيير مستعملة ومستغلة في ذلك أخفاقات الوعي لدى الشعب والنخب بأبجديات التغيير وأدوات العبور إليه وأهما سؤال الأزمة.
ما هي طبيعة القطائع التي يكون قد عبر عنها أكتوبر 1988 في تاريخ الجزائر المستقلة؟ هل عبر عن نهاية مستوى من خطاب الوطنية الذي تحمل فشل الدولة وصار يسئ للوطنية وللدولة معا؟ أم عبر عن نهاية مشروع دولة استقامت خارج الارادة والاجماع الوطني عشية الاستقلال وفق منطق المصادرة الذي تحدث عنه الزعيم فرحات عباس في كتابه الشهير الذي احتمل ذات العنوان (الاستقلال المصادر)؟
خارج النسق النظري لمفهوم المؤامرة، ثمة إرادة خفية تسعى بلا هوادة من الداخل على أن تظل الجزائر تخلف مواعيدها مع التاريخ، وتبقى بالتالي رازحة ومترنحة في مربع أزمتها الأولى التي فجرها انقلاب سنة 1962 بتحييد السياسي (الشرعي) واستلام قوات جيش الحدود الحكم، فمن يومها شرع مشروع “البناء الجاهز” للدولة والانسان على كل المستويات يقوم مشوها مغشوشا على أرضية هشة كون طبيعة البناء الجهاز غير معبرة عن الذات فهو في وظيفته ومداعيه حل وقتي لأزمة محدودة في الزمان والمكان، ولكنه (البناء الجاهز) الذي شمل كل مستويات الانسان بما في ذلك وعيه وحلمه أخذ طابع الديمومة مخترقا منطق طبيعيته وطبيعة التاريخ والسياسة، فتحول بذلك من أداة حل وقتي إلى أداة أزمة دائمة تقهر أجيال المجتمع في كل مساعيهم للاقلاع والنهوض التنموي الشامل .
ربما حسب أصحاب انقلاب 62 أنهم مع توالي سنوات قبضتهم قد استراحوا بمجرد أنهم أزاحوا نهائيا من على طريقهم صوت المعارضين الأوائل ممن رفضوا منطق المصادرة والعصف العنيف بمنجز ثورة 1954، وبذلك قد استتب لهم الحكم إلى الأبد متغافلين أن منطق المعارضة يتواصل جياليا والأصعب منه أن يتطور في الخطاب حين يتدثر عبر تراكمه ف الزمن أحيانا بالتفسيرات الأيديولوجية والتأويلات ذات الأساس الميتافيزيقي في قراءة تجارب التاريخ حتى، وهذا ما يعمق الشروخ ويخلق تكتلات ليست ذات صبغة أو وظيفة سياسية فحسب بل طائفية أحيانا!
لقد غفل حقا عن قادة حركة مصادرة التاريخ الاستقلال أن سؤال الشرعية سيظل متقدا في الذاكرة الوطنية التي مهما تدخلت فيها سلط الاقهر،لتزوير، الرقابة والتوجيه، فلن يكبح ذلك جموح سؤال الحقيقية الوطنية لدى الناشئة من تفتيشها (الذاكرة) ومحاولة إعادة تركيبها مع أول محنة يقف قبالتها الوعي، ولما أن جاءت أزمة النفط كشرارة أولى وعلامة زمنية على سقوط مشروع المصادرة، تفجرت انتفاضة أكتوبر 1988 في الشوارع الأحياء الشعبية الكبرى معبرة عن غضبها من مسلكية دولة الاستقلال الخاطئة، مطالبة بالتغيير الكامل والشامل بما يتيح للدولة والمجتمع من أن يفصحان عن مقدراتهما الكبرى.
وليس هنا يهم معرفة ما إذا كان قد فشل مشروع دولة الاستقلال ذاتيا أم تم إفشاله، فالفاعل السياسي والسلطوي كان وحدا أحاديا، بل ما يهم معرفته هو ما الذي هدفت إليه انتفاضة أكتوبر وغضبها التاريخي، إذ واضح أن رسالته الأولى كانت تستهدف تصحيح أخفاق مشروع الانقلاب الأول الذي زعم قادته أنهم انقذوا به الثورة الوطن من خراب وحرب أهلية خطيرة، قبل أن يعودالبينقضوا على الحكم بدعوى تصحيح الثورة سنة 1965، فشباب أكتوبر الذين هاجموا يومها مقرات الحزب الواحد (جبهة التحرير الوطني) إنما عبروا بذلك عن رفضهم النهائي لاستمرار تلك المنظومة التي لم تتقن شيئا أكثر من اتقانها للفشل على كامل صعد البناء التنموي .
لكن هل أفلح أكتوبر في مهمته؟ هوذا السؤال المر الذي لا يستسيغ الكثيرون ممن شاركوا في انتفاضة أكتوبر 88 وتأملوا الخير الكثير من ورائها، طرحه فضلا عن الاجابة عنه.
وبذات القطع الذي جزمنا به بفشل مبادرة المغامرين المصادرين للتاريخ والدولة عقب الاستقلال، يمكننا بلا أدنى تردد الاقرار بفشل انتفاضة أكتوبر في بلوغ هدفه وتصحيح مسار دولة الاستقلال، لأسباب عديدة لها كلها علاقتها بالتاريخ، لكن أهم سبب هو أن نشطاء المشهد الجديد وقتها جنحوا كلية لتقيدم الاجابات حول الازمة بدل السؤال، وتخيل كل منهم أنه مهدي فترة ما بعد الأحادية وقد خرج من سرداب السرية إلى العلنية ليخلص الشعب من همومه ولآلمه ويصحح الماضي والحاضر بل والمستقبل أيضا! لتتصارع الحقائق والاجابات الجاهزة، فاستغلتها المنظومة عبر إدخال الكل في حرب ضروس روضت وأدبت فيه الجميع بما في ذلك المجتمع الذي انتفض في اكتوبر ضدها، ليكفر بعدها الناس بأكتوبر وما جاء به أكتوبر مثلما كفروا قبلها بالتاريخ الوطني في دفاتر وكتب المدارس الأحادية.
لكن المنظومة التي أفشلت مشروع ثورة 1954 ثم مشروع أكتوبر 1988، وبحكم كونها لا تارخانية في أسساها ولا تقوم على منطق لا معرفي ولا عقلاني فضلا عن المنطق الشرعي، عادت لتسقط مرة أخرى بوحي الفشل في حل الفساد وتعيد أثارة غضب الشعب في ثورة عارمة عامرة لم يشهد تاريخ الجزائر السياسي لها مثيلا، أطاحت من خلالها بسلطة أحد من صنعوا المنظومة سنة 1962 وهو عبد العزيز بوتفليقة، الأمر الذي، لو يعلم الذين اهتموا دوما بالحالة الجزائرية، له أكثر من دلالة تاريخية وسياسية تخترق أستار السياسة وتتسلق درجات الزمن لتؤكد بمنطق الحاضر (2019) خطأ مغامرة الماضي (1962) الذي كان مختزنا ومختزلا في تجربة ومشروع دولة بوتفليقة الفاسدة البائدة!
والخشية كل الخشية اليوم هو أن يفلت من الوعي الحراكي بالأخص لذا طيلعته وقادة رمزية خطابه التاريخية التي بات يتسند عليها، سؤال الأزمة وينبري الكل يغني باجاباته الطوباوية وينصب نفسه مركزا للثورة الحراكية، كما حدث مع رعيل انتفاضة أكتوبر 1988 وهو ما سيفقد هاته الثورة أهم مطلب بات تحقيقه صمام الأمان والمنقذ من ضلال الماضي وهو التأسيس الجمهوري الجديد على قاعدة توافق دستوري وطني يحقق أعلى قدر من الاجماع في المجتمع الجزائري، ويبث الروح في بيان أول نوفمبر الذي تداعت له كل أصوات الحركة الوطنية قبل أن يجرفهم زمن المصادرة المشأؤوم.
وشبح الاخفاق الذي صار يلوح بسبب الانحرافات والانشقاقات التي اعتملت في جسد الحراك وعقله، سيكون ثمنه كارثيا لأن ذلك سيضع المجتمع على فراغ تام بهوته السحيقة الساحقة، لكون النظام مهما كانت حالة تأزمه في الماضي وطغيانه كان يملأ هذا الفراغ ولو برداءته، أما اليوم وقد داخل (النظام) بحكم العمر ونضوب الخيال والفكر دوامة هوية واللا مشروع ستقودانه للفناء، سيكون الخطر مضاعفا إذا لم تملأ الثورة الحراكية هذا الفراغ الذي سيتمظهر في مقصورة قيادة شاغرة لقطار المجتمع وهو يمضي بسرعة جنونية نحو المنحدر!
بشير عمري
كاتب صحفي جزائري
https://alsiasi.com/
بشير عمري

تفلت عن الملاحظين والمتتبعين للشأن الجزائر بعض مظاهر التميز الحاصلة بين عناصر الوعي السياسي الخاص، عن بقية منظومات الثقافة السياسية العربية وشاكلة سريانها وتسييرها بما يمتن ويبقي نظمها القديمة على ما هي عليه من هرمية وطبقية وتعال أسري ونخبي تتمرجع به الذات الوطنية وليس العكس.
هي أشكال وإشكالات رمزية ولكن لها مدلولها ومفعولها في البنية السياسية والمجتمعية للبلد، وتعطى أو بالأحرى تعكس في الكثير من محطات التأزم الوطني الأساس الايجابي للوعي الثوري الأول (1954) الذي سار على إثره وشاكلته الوعي الثوري الثاني أي الحراك الشعبي (2019) الذي أطاح بمنظومة بوتفليقة التي سعت التي سعت لتبديد هذا التميز الرمزي والدلالي والحاق التجربة الجزائرية بباقي تجارب العرب حيث تشخصن الدولة وتأسَّر (الاسرة) .
من تلك العناصر عبادة الشخصية، وإفاضة ذكرها الواسع في الاعلام ربطا بكل جزئية من حركة المجتمع ولو هامشية، بناء تماثيل صنمية لها في الساحات العمومية ودخل الأبنية الحكومية، طبع صور الزعيم على طوابع البريد والأوراق النقدية وغيرها من عناصر شخصنة الدولة والتمركز في التاريخ السياسي للبلد !
ولربما كان من محاسن “الحرب الأهلية الثورية” أي تلك الموازية لحرب التحرير ضد الاستعمار التي كانت قائمة بين الكثير من قادة ثورة التحرير ومختلف زعائها، كونها أحبطت كل محاولات التمركز داخل النسق الجماعي للثورة الذي ظهر وتنامى مع فكر الحركة الوطنية، حتى وإن غال البعض من قيادات الاستخبارات في ضرب عقول السياسة من أجل تحقيق مكاسب ومواقع تتصل بإرادة هيمنة الجماعات أكثر منه بالأفراد.
وحين تمكن بومدين من السلطة بشكل كلي وانفرد وتفرد بالقيادة، عمل جهازه على كسر ذلك الوعي الجماعي في استغلال للظروف الدولية والتاريخية السائدة أنذاك على مستويي الاعلام والسياسة، حيث كان الحضور القوي للاعلام المحلي الوطني يمنح قوة اجتياح كبرى للوعي الشعبي، فرسخ بومدين نفسه كزعيم فوق العادة بتغييب عقول السياسة ووجوه تاريخية ثورية كانت بارزة قبل وأثناء نشوب الصراعات مع دنو الاستقلال! من التحقق
لكن ومع كل ذلك بقيت الزعامة البومدينة تلك في حدود الدعاية الاعلامية الأحادية المغلقة، فلم يزور التاريخ لصالحه الشخصي، حتى وإن تم تزوير حقائقه الموضوعية، ولم يُجعل هو شخصيا مركزا لهذا التاريخ، ولم يذكر كذلك في كتبه المدرسية، كما أنه لا تمثال نحت له في الساحات والبنايات، فضلا عن القول أنه لم يمكن لأسرته حضورا وحظوة في المجالات المجتمعية الكبرى كالسياسة والاقتصاد، حتى أنه حافظ على الاسم الثوري الذي حمله ولم يعد إلى إسم عائلته “بوخروبة” وبذلك سهلت على من خلفه على رأس الدولة سنة 1979 أي الشاذلي عملية طي مرحلته بل واستئصالها من الذاكرة السياسية، وقد استمر شاذلي على ذات الاتجاه رغم نزوعه الشخصي لبعض اللبرلة.
لكن مع قدوم بوتفليقة الذي ولد ونشأ في الفضاء السياسي الملكي (بالمغرب) وتشبع من فكر رجالات الحركة الوطنية هناك بما يميزها من مركزية الملك في الأمة، والأبهة والصيت الذي يتيحه ذلك النظام للشخص بحيث يَظلُ يُظل بغمام صداه كل المجتمع فيغطيه بعظمته لا أن يتغطى هو بعظمة المجتمع.
هكذا هواجس من العظمة الشخصية لم تكن خافية على من عرفوا بوتفليقة حتى في زمن الكذبة الاشتراكية والثورية التي نشط هو فيها بـ”التقية السياسية” كوزير للخارجية لمدة عشرين سنة، فقد ذكر فرحات عباس في كتابه الشهير أن بوتفليقة وفي إحدى لقاءته بالصحافة التونسية في أثناء دنو الاستقلال من التحقق يوم كان مكلفا بالوشاية وجس نبض الخلافات السياسية بين زعماء الثورة، قال لهم احتفظوا بأسمي هذا! أي أن كل مسعاه كان شخصيا لا مجتمعيا ولا ثوريا.
طبعا يتفق كل رجالات بومدين على أن بوتفليقة لم يكن بالوفاء ولا بالسخاء الثوري والاشتراكي لبومدين وقد أبغض وكره الجميع بما في ذلك الجزائر بعدما حيل بينه وبين وراثة القصر الرئاسي بعد رحيل “الزعيم” وحين عاد، كان همه وهدفه أن يكسر كل العوائق القانونية، المؤسساتية والرمزية المتصلة عضويا وثقافيا بالوعي التي تحول دون أن يتحول إلى “ملك جمهوري” فعمل على إعادة صياغة كل مكونات الذات السياسية والسيادية للمجمتع الجزائري، مستمدا القوة والقدرة في ذلك على عدة وسائل أتحات له الظروف بعظها (نفسية الشعب المتعبة من الحرب الأهلية 1992/2000 و كذا الطفرة النفطية الكبيرة 147 دولار للبرميل) وخيانة النخب البعض الآخر، فمكن لأسرته في الدولة كأول رئيس يسلك هذا المسلك، ثم لنخبة منطقة انحداره، ليشرع بعدها في إعادة صياغة التاريخ والرمزيات، مثل الاعتذار لبن بلة الذي يشكن في مضمونه ورسالته طعنا في مرحلة سياسية كبرى لم تجد نخب الفكر الوطني والسياسة الشجاعة لفتح نقاش حولها باعتبارها زللا وزلزالا سياسيا وتاريخيا يشوه أو يشوسش على الملمح التاريخي للأمة، كما وأعاد الاعتبار لمصالي الحاج، في استفراد بالتعامل الشخصي مع أشكالاات كبرى ومعقدة في التاريخ الوطني عكس الأمم المحترمة لنفسها والتي تشد والتعض على “ديمقراطية التاريخ الجمعي” مثل الغريمة فرنسا، إذ لا أحد يتصور مثلا أن يقدموما أحد من الرسميين على الاعلاء ي من شأن حكومة فيشي و شخص زعيما الجنرال “بيتان”
وأخير صار يغزو عوالم الزمز المادي من مثل تشييد صروح ومنشآت كبرى بمال الشعب تخلد ذكره واسمه على شاكلة ما يفعله زعماء العرب، من مثل المسجد الأعظم، ودخول دفاتر وكتب التاريخ المدرسي كزعيم منقذ للبلد من الحرب الأهلية! ليتم الايعاز لبعض مرضى الضمير من ساسة ونخب ممن تزلفوا لنظامه طيلة عشريتين للمطالبة بإقامة تمثال له، بعد أن مارسوا أبغض وأغبى طرق عبادة الشخصية باستحضار الزعيم عبر كادر صورته الضخم في كل جلسات الدعاية والنفاق السياسي.
من هنا تبرز قيمة الحراك الشعبي وفاعليته التاريخية، في كسر هذا النسق الدخيل على الوعي المجتمعي في السياسة والثقافة بالجزائر، وأبطل مشروعها الذي كان سيلحق البلد بالكومديا البشرية السياسة التي يعيش قصتها العرب منذ القدم، إذ داس الحراك صور بوتفليقة مع أن الشعب لم يدس من قبل صورة أي رئيس سابق، وحطم أصنام وتماثيل بوتفليقة قبل حتى أن تنحت وتنصب، طبعا في انتظار أن يتم تحرير السلطة كاملة من كماشة السلطة المزازية أو الخفية وبذلك تتكمل عملية التصحيح الثوري الحقيقي التي ستكون وقتها من وعي وعبقرية الشعب وليس من مكر الوصاية، أية وصاية.
كاتب صحفي جزائري
عبد الحفيظ بن جلولي10
سبتمبر، 2020 09
https://22arabi.com/

تسترخي الذاكرة لحظة هجرة نحو المراسي البعيدة لتموضعات الحدث الماضي مستجلبة انكساراته كما انتصاراته ربّما في مرحلة من المراحل لقراءةٍ أكاديمية للحدث التاريخي أو توضيحًا من التوضيحات التي يتطلبها الدرس التاريخي في مدرجات التلقي الأحادي، أو حتى تلك التجاذبات التي تجري على شاشات الفضائيات أو تلك التي تجري على طاولات المقاهي؛ للاستفادة منها في فهم الوضع الجزائري الراهن وأبعاده.
لكن ما يغيب حقيقةً عن وعي القارئ للحدث التاريخي هو البحث عن تلك العلاقات التي تربط الذّاكرة بالوضع الرّاهن لا كحدث يجب استعادته لتركيبه على شريط الحاضر ولكن كبنية استأثر بها الوعي وتشكلت بها مضامينه وطبقاته، وهو على أي حال يستعيدها ليسترشد بمعالمها في فك شفرات الأحجية السياسية والاجتماعية والثقافية الرّاهنة.
يرى الكاتب السياسي بشير عمري، في مقال له بعنوان “كيف نخسر حاضرنا بماضينا في معركة التاريخ السياسي” أنّ “فضاءات الكلام السياسي تنأى غفلة أو استغفالًا عن لحظة انفلاق “الوطنية” بداية القرن الفائت، وفي حقيقة الأمر أن “عمري” في كل كتاباته يستدعي هذا الجانب المهم في تاريخية الوضع السياسي.
قد يقول قائل ما العلاقة بين الماضي السّياسي ومفاعيله وفواعله والوضع الرّاهن بكل تشعّباته وتداخلاته؟
لا يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا أنّ العودة إلى التّاريخ السّياسي تعني الاهتمام بالحدث، وإن كان مهمًّا، لكن استثماره في فكّ معضلات الوضع الجزائري الراهن لا تعتمد على قراءة الوضع الحالي وفق معطيات الماضي، ولكن تعني بالتحديد قراءة التّجربة السّياسية الوطنية تاريخيًا على ضوء الرّاهن السّياسي والاجتماعي، ومنه نستطيع أن نفكك العديد من العلاقات بين البنيات الكامنة في كلا الكيانين.
تمتلك الحادثة التّاريخية وفق هذه الرّؤية حركيتها، إذ أنّها تقع بالنّسبة لميزان الوضع الجزائري الراهن موقع التّمييز، فما يصلح يستمر وما تجاوزه الزّمن يدرج في متحف التّاريخ، وعليه ينتقل التّاريخ من السّكونية التي لا تتعلق سوى بالحدث في حدّ ذاته إلى الحركية التي تتعلق بالتّاريخ في اندراجاته الرّاهنة.
إنّ نموذج الثورة في الذّاكرة الوطنية يعكس مثال الهرم المجتمعي في مستوياته الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية النّاجزة انطلاقًا من الوعي الشّعبي بالوضع الراهن المتأزم، والمتمثل -آنذاك- في الارتهان للإرادة الاستعمارية الغاشمة والغاصبة للوطن وللوعي.
إنّ الأزمة الوطنية المستمرّة منذ الاستقلال 1962، إذ لا يخفى على القارئ السّياسي عمق الأزمة النّاجمة عن الخلاف بين قيادة الأركان بزعامة الرّاحل هواري بومدين، والحكومة المؤقّتة برأسيها، الرّاحلين عباس فرحات وبن يوسف بن خدّة، ما فتئت هذه الأزمة تستشكل وتفرز مراحلة عصيّة تتعلق بالهوية وبالتاريخ والمجتمع وبميكانيزمات الممارسة السّياسية وباللغة، وجميع ذلك يعكس مدى تداخل الكيان الاجتماعي في جانبه الإنساني أو الشّعبي مع الواقع باعتباره من إفرازات انتصار الجزائر التّاريخية على فرنسا الاستعمارية، وبالتالي تصبح كل تمظهرات الواقع بالنّسبة للشّعب لا محالة متجلية في إطار الانتصار.
إنّ العكس هو الذي حصل باعتبار أنّ الجماعة التي تخطّت الحدود وحملت معها توهج لحظة الاستعادة الوطنية للهوية كسرت المعبر التاريخي نحو التعدّدية باعتبارها رهانًا ومكسبًا ثوريًا كرّس جميع عناصره لتأسيس الدّولة الوطنية الما بعد استقلالية على أسس الديموقراطية والمبادئ الإسلامية التي لا تعني في النّهاية سوى هويّة هذا الشّعب التائق إلى الحرية والكرامة والعدل.
إنّ جوهر أي نظام سياسي هو تحقيق اللحمة الوطنية وفق مبادئ اللقاء الوطني القائم على الحوار والاختلاف والبحث عن الحد الأدنى المشترك الذي تنبني على أساسه الدّولة الوطنية الدّاعمة للحق الطبيعي في الحياة الكريمة للشّعب، والحق في اختيار من ينوب عنه تمثيلًا في المجالس الوطنية والمحلية وتأسيس الدولة على قاعدة المؤسّسات التي لا تزول بزوال السلطات المتداولة على كرسي الحكم.
إذًا، الدّولة في حقيقتها هي الانبثاقات الأولى للوعي بالذّات الوطنية، في بحثها عن حرّيتها ابتداءً، ومن ثمّة تشكيل صورتها التي تريدها على منابر الهرم المعماري السياسي الوطني، هذا الهرم الذي يُعبر عن الوضع الجزائري الراهن يرتكز على التاريخ والفاعلين فيه، ومن فجّروا نواته التي سوف يكتبها المؤرّخون بعديًا كحلقة من حلقات الهوية الوطنية.
فالذّاكرة الرّاهنة لا يمكن أن تشتغل أو تتحرّك عناصرها دون تفعيل مخزّناتها من الأدوات والأحداث والأشخاص الذين رسموا بناء الوطن السّياسي والاجتماعي والثّقافي، وفق رؤية تمثّلت الخطر الذي كان يتهدّد الوجود الوطني، ثم حدّدت مستويات المواجهة، وبعدها وضعت الكيانات الحاضنة للرّؤى (الأحزاب)، ثم أخيرًا فتحت المجال للكينونة البشرية الوطنية كي تعبّر عن نفسها من خلال الثورة ثمّ التفاوض.
لعلّ العنصر الأساسي الذي على السّياسات الرّاهنة تمثله هو الشّعب، لأنّ الثورة لم تقم إلا على أكتافه، وجدوى الوعي بعنصر الشّعب هو البحث الدّائم عن مشاريع “اللقاء الوطني”، لا من حيث التجمّع، ولكن من حيث أهمّية الوعي بتأكيد مفهوم وواقع “الجماعة الوطنية”، ولعلّ استقراء التّاريخ الوطني في شقّه الثّوري يكشف لنا عن أهمّية اللقاءات التي حدثت في مؤتمر الصّومام، ولقاء مجموعة الــ 21 أو 22 مؤتمر طرابلس.
بعيدًا عن الموقف التّحليلي للقاءات المُشار إليها، فهي تمثل الدّفق الحيوي لماء الثورة في شرايين الحركة السّياسية، وتأتي أهمّية اللقاءات الوطنية في تأشيرها على وضع الأمر في نصابه الحقيقي تمامًا كما حصل مع ندوة الوفاق الوطني عام 1994، إذ لم يكتب لها النّجاح لأنّ منظميها والدّاعين لها أرادوها أن تكون مخرجًا سياسيًا لوضع غير دستوري، إثر انقلاب 1992 على الشّرعية، وبعدها دخول البلد في نفق الانسداد السّياسي والإرهاب.
إنّ الوعد السّياسي بالوضع المستتب لا يكون وفق أحلام السّياسة القادمة من وراء المكاتب، وإنّما يكون المصدر الوحيد لها هو الإرادة الشّعبية الكامنة في الرّؤى البسيطة التي تنبع من المعايشة اليومية للواقع الأليم، هذا الأخير الذي هو المحك القوي لامتحانات الإنتاجية السّياسية الموافقة أو المخالفة للرّغبة الشّعبية في الانعتاق من الفقر والظلم والتّضييق على الحرّيات وعدم المساس بأمن المواطن، حيث ينبثق التّاريخ في بؤرة الوضع الجزائري الراهن ويكشف عن تلك الحركة السياسية بتدرّجاتها الطيفية المختلفة والتي قامت على المعارضة والموالاة، على الاختلاف والاتفاق، طبقًا للحالة السّياسية والوضع الجاري في دهاليز المقاومة للمستعمِر، وما سوف يكون بعديًا من الرّؤية للثورة ومساراتها.
إنّ توجّهات القائمين على السّلطة باعتبارهم مسؤولي أجهزة الدولة والقائمين على التسيير السّياسي لشؤون الحكم، يجب أن يعملوا على إنجاز واقع سياسي يتوافق مع معطيات حيوية شعبية، ساهمت في اقتلاع طبقة سياسية فاسدة استأثرت بالحكم وأدارته بما يحقّق مصالحها الشّخصية، فبدّدت أموال البلاد، وعبثت بثرواتها، ورهنت الوطن في بعض المستويات اقتصاديًا لجهات خارجية، أي أنّ الوضع الجزائري الراهن لا يستقيم إلا بإصلاحات سياسية واقتصادية تستثمر في ما فرّط فيه النّظام السّياسي السّابق، والعمل على العودة المرحلية لبناء التوافقات والتّوازنات الاستراتيجية بين المعنى المؤسّساتي في الدّولة بالمفهوم السّياسي والمعنى الرّاعي في الدولة بالمفهوم الاجتماعي.
ولطالما غاب المفهوم الاجتماعي للدّولة، باعتبارها منبثقة من الأسس الاجتماعية للتجليات السّياسية، فالاتّفاق الاجتماعي والتوافق الجماعي هو الذي أنجز البنيات السّياسية النّاظمة لتسيير مؤسّسات الدولة، وبالتالي تكون المنظومة القانونية اعتبارًا من الدستور وإلى القوانين العادية معبّرة عن الحقيقة الاجتماعية الكامنة في حركة الشّعب نحو المطالبة بالتغيير، إذ إنّه “تبرز الدّيموقراطية الاجتماعية بوصفها تعبيرًا عمليًا وتمظهرًا وظيفيًا للدّولة الاجتماعية، بمضمون إنساني عام يتجاوز مستويات الانتماءات الخاصة”، كما يقول الكاتب السياسي بشير عمري.
ولعل بشير عمري، يضيف إلى الأساس الإنساني للدولة الاجتماعية، عنصرًا آخر يتمثل في تجاوز الانتماءات الخاصّة على أساس ما سوف يحقّقه المبدأ الاجتماعي من توزيع عادل للثروة والتّوازن الجهوي (الإداري) واستقلال الدولة عن منطق القبيلة السياسية وتعالقها مع فكرة المجتمع وفق تأسيساته الحداثية المرتكزة على الحزب.
تبقى فكرة الاستعانة بالتّاريخ في فك شفرات الأزمة الرّاهنة معتركًا يحتاج إلى العديد من الرّؤى لتنبني مرتكزاته على التوجه الاجتماعي للدّولة باعتبار الشّعب هو مصدر السلطات، والشّعب كينونة اجتماعية ناهضة تبحث عن مستويات التحقق العضوي السّياسي والثّقافي لها في الأوجه المكمّلة لوجوديتها في العالم.


Tribune de l’Algérie libre