
محفوظ بـــدروني
(نائب رئيس الجمعية الوطنية لمكافحة الفساد)
20 يوليو 2019
تعريف الجمعية التأسيسية:
الجمعية التأسيسية أو المجلس التأسيسي هي هيئة ينحصر عملها في وضع و إعداد الدستور فقط، دون أن تملك الحق في مباشرة أي صلاحيات أخرى, وبمعنى آخر, فهي هيئة يتم إنشاؤها لغرض محدّد بالذات ألا وهو وضع الدستور, وينتهي دورها وتزول من الوجود بمجرد انتهاء عملها وإنجاز المهمة الموكلة إليها.
الجمعية التأسيسية هي مجموعة منتخبة من الشعب, تتمثل مهمتها في كتابة و صياغة الدستور الذي لا يعتبر نافذا بمجرد إقراره من الجمعية التأسيسيةبل وجب عرضه على الشعب لإقراره في إطار استفتاء عام تنظمه هيئة وطنية مستقلة.
إن الجمعية التأسيسية هي الجهة التي تقوم بمهمة تأسيس إطار للدولة, وذلك عن طريق وضع دستور الذي هو عقد اجتماعي و قانون أساسي للدولة ينظم علاقات بين الأفراد و الهيئات و بموجبه تنبثق مختلف السلطات : التشريعية والتنفيذية والقضائية.
دواعي و مبررات انتخاب جمعية تأسيسية:
تتمثل مبررات ودواعي انتخاب جمعية تأسيسية لأجل وضع الدستور الدائم للدولة الجزائرية فيما يلي:
1°)- لأن السلطة التأسيسية ملك للشعب تطبيقا لمبدأ السيادة الشعبية حيث تقوم الأمة صاحبة السيادة ومصدر كل سلطة بتفويض ممارسة سيادتها لممثلين عنها ( وهؤلاء يشكلون هيئة تسمى المجلس التأسيسي أو الجمعية التأسيسية أو المؤتمر الدستوري ) يتولون باسمها ونيابة عنها وضع قواعد نظام الحكم في البلاد. فانتخاب جمعية تأسيسية يعد فرصة لطي صفحات من الاستبداد و المظالم و تحقيق مبدأ السيادة الشعبية و هو شرط ضروري لتحقيق أهداف الثورة الشعبية و بالنتيجة تحقيق مستقبل أفضل للشعب.
2°)- إعطاء الفرصة للمرة الأولى للشعب الجزائري لاختيار من توكل لهم مهمة إعداد وكتابة وصياغة دستور دائم للدولة الجزائرية، بعد افشال عمل الجمعية التأسيسية المنتخبة غداة الاستقلال. هي فرصة تاريخية لصياغة و كتابة دستور جديد بإشراك الموطنينلا سيما في الوقت الراهن حيث أصبح الشعب الجزائري أو غالبيته مهتم بالشأن العام و المجال السياسي و يؤسس مطالبه على مواد محددة من الدستور و كثير من الموطنين أضحى يهتم بالدستور و المجال القانوني و يقرأ ما هو مدون في الدستور.. و هذا الظرف هو وقت مناسب بل مثالي لإشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في النقاش العام حول مسألة كتابة و صياغة دستور جديد لبناء نظام سياسي جديد يشارك فيه الشعب عن طريق انتخاب من يمثله في الجمعية التأسيسية مباشرة أو عن طريق البرلمان الذي ينتخبه الشعب الجزائري.
3°)- الجمعية التأسيسية هي الفضاء الأوحد و الديمقراطي الذي تتم فيه مناقشة و إقرار الدستور حيث سيشارك في عملية مناقشة و كتابة و صياغة الدستور مختلف مكونات الطيف السياسي و الإتجاهات الفكرية و الألوان الإيديولوجية باعتبارها جمعية منتخبة ستضم كل هؤلاء.. كما أنها تمكن من توفير منصة شرعية واسعة النطاق للنقاش حول مشروع الدستور الجديد للبلاد حيث يمكن التواصل معها عبر مختلف الوسائل لإبداء الرأي و تقديم الملاحظات و عرض الإقتراحات لكي تضمّن في مشروع الدستور الجديد..بل يمكن عرض مسودة أو المشروع التمهيدي للدستور على مجموع المواطنين لمناقشته قبل أن تحرر الصيغة النهائية التي تعرض للإستفتاء الشعبي العام.
4°)- الجمعية التأسيسية من حيث تركيبتها سوف تنجح في كتابة وصياغة دستور ذي جودة عالية و نوعية رفيعة، خلافا للطريقة المتبعة من قبل من حيث أن الجمعية التأسيسية هي مجلس يتكون من عدد من المواطنين المنتخبين يمثلون كل الفئات و كل الحساسيات السياسية والنقابية و الحقوقية و الثقافية.. يمكنهاإنتاج دستور ذي جودة عالية من حيث الوقت المخصص لإنجاز المهمة، تركيبة الجمعية التأسيسية التي تتكون من خبرات متنوعة و قامات عالية و كفاءات متخصصة، إشراك المواطنين في النقاش و كتابة الدستور بمختلف الوسائل، و أخيرا طريقة التصويت على الدستور:تصويت أولي من قبل الجمعية التأسيسية و تصويت ثان من قبل البرلمان(برلمان المرحلة الانتقالية و ليس البرلمان العادي) وتصويت ثالث من قبل الشعب.
5°)- إحداث قطيعة مع الطريقة السابقة المتبعة في إجراء التعديلات الدستورية (تعديلات جزئية أو وضع دستور جديد) و التي كان يمرر بها الدستور.. فوضع الدستور من قبل الرئيس المنتخب لا يعبر سوى عن أقلية (التي انتخبته) و التي لا تمثل سوى 50 % على أكثر تقدير من الهيئة الناخبة.. فمن خلال التجارب المستمرة, فإنّ الاستبداد قرين الاستئثار بالسلطة, فليس أخطر على الحرية, وأقرب إلى الطغيان والاستبداد من جمع السلطات وتركيزها في يد واحدة, مما يؤدي إلى تحجيم دور الشعب وحصره في إطارٍ ضيق يقتصر على المساهمة السلبية فلا يتدخل الشعب في تحديد مضمون الدستور الذي يتحدد مصيره بالكامل من قبل أعضاء عينهم الرئيس أو المجلس النيابي المنتخب.. ثم ليس هناك أي ضمانة من أن يتولى الرئيس المنتخب إجراء الإصلاحات الدستورية التي يطالب بها الشعب من حيث أنه لا توجد أي جهة تلزمه بذلك ابتداء(في البرنامج الانتخابي) و لا أن يبادر بذلك انتهاء(بعد انتخابه) فلا يوجد في الدستور الحالي و لا في القانون ما يلزم الرئيس المنتخب بالالتزام بما تعهد به أثناء الحملة الانتخابية أو بما وعد به ضمن برنامجه الانتخابي.
6°)- وضع دستور من قبل الجمعية التأسيسية سيضفي الشرعية(légitimité) على مؤسسات الدولة و المشروعية(légalité) على القوانين و التشريعات التي تسير الأفراد و مؤسسات الدولة .. فالمؤسسات التي تنبثق من الدستور الجديد ستحظى باحترام و تقدير جميع المواطنين بغض النظر عن مواقف هؤلاء المواطنين ممن يشغل و يدير هذه المؤسسات لأنها مؤسسات قد أقرّها الشعب الجزائري بإرادته الحرة و السيّدة.. كما أن جموع المواطنين سيمتثلون للقوانين و التشريعات التي تصدر عن هذه المؤسسات التي أقرّها الدستور الجديد، ذلك أنّ هذه القوانين و التشريعات قد صدرت باسم الشعب الجزائري و دونما نظر إلى من أصدرها وهذا لأنّه يمثل الدولة الجزائرية و حسب .
7°)- الجمعية التأسيسية هي هيئة محايدة ليس لها مصلحة في ما يتقرّر من أحكام التي يتضمنها الدستور لا سيما ما تعلق منها باختصاصات السلطات و هذا بالنظر أنّها ليست سلطة من السلطات المنبثقة عن الدستور..فلا يمكن أن نتصور أن يتم الإصلاح الدستوري من قبل الرئيس المنتخب كما أنه لا يتصور إمكان إصدار الدستور بواسطة السلطة التشريعية, لأن هاتين السلطتين تستمدان سلطتهما و وجودهما من الدستور, ومن ثم لا يجوز لهما أن تضعا الدستور أو أن تعدله, فهل يعقل أن تقوم هذه السلطات التي يؤسِّسها الدستور ويهبها الحياة, أن تقوم هي بوضعه.. إنّ هذا لأمر عجاب ؟؟؟؟!!!! فالرئيس المنتخب أو البرلمان المنتخب هما طرفان في عملية الإصلاح و موضوع الإصلاح.. فكيف يمكنهما أن يكونا حكمان فيما يتقرر من إصلاحات ..فلا يعقل أن يتقرر الإصلاح الدستوري من قبل الرئيس المنتخب أو حتى البرلمان المنتخب فهذا لا يحقق الغاية المرجوة من هذا الإصلاح لأن هاتين السلطتين لهما مصلحة فيما يتقرر من صلاحيات و يتحدد من اختصاصات تخص هذين السلطتين (التنفيذية و التشريعية) في إطار الدستور الجديد إذ يوجد تضارب مصالح (conflit d’intérêts) واضح بين من يقرر الإصلاح و من يستفيد من الإصلاح(أي السلطتين) اللتان ستستفيدان لا محالة من الإصلاح المرتقب..فلا يمكن أن يكون من يقرر الإصلاح حكما وطرفا في نفس الوقت .. فالرئيس الممارس يتوقع منه أن تتعزز صلاحياته أكثر و أن تتدعم أكثر و أن يوضع من أحكام ما يحميه و لا يعرقل سياسياته ولا يمكن أن نتصور أن يسعى إلى أن يقلص صلاحياته أو أن يحد من اختصاصاته الدستورية فهو سيستغل نفوذه لإقرار ما يوّد من أحكام التي لا تخدم التعددية السياسية و لا الديمقراطية و لا مبادئ النظام السياسي المنشود.
8°)- تحقيق الدولة المدنية و التي تقتضي عدم تدخل الجيش و القوات المسلحة و من في حكمهما في الشأن السياسي و عدم تأثيرهم على القرارات التي تخص تسيير الدولة.. و كنتيجة لهذا المبدأ وجب في الدستور الجديد تحديد بوضوح مهام الجيش و المصالح الأمنية من حيث لا يكون لهم أي تأثير على السياسات العامة و إبعادهم عن التدخل في الشأن العام و المجال السياسي و العمل على إخضاعهم (أي الجيش و مصالح الأمن المختلفة) للدستور و القانون و السلطة المنتخبة. و لا يخفى على ذي بصيرة ما خلّفه تدخل الجيش في الحياة العامة و المجال السياسي من أثار كارثية على البلاد و العباد، و لا أدل على ذلك ما وقع خلال العشرية الحمراء التي تلت إلغاء المسار الانتخابي عام 1992 و من ثم وجب تجريم تدخل الجيش ومصالح الأمن المختلفة في السياسات العامة و الشأن السياسي.
9°)– بعد ثورة لا يعقل أن يستمر العمل بالدستور القائم و بنفس المنظومة القانونية السائدة فهذا تناقض صارخ.. فالشعب الذي ثار على منظومة الحكم الفاسدة لا يقبل إطلاقا أن يستمر في أن يحكم بنفس المنظومة الدستورية و القانونية.. فالثورة ضد النظام القائم تشمل أيضا و بالأساس الثورة ضد الدستور و التشريعات، الثورة ضد الهيئات و المؤسسات، الثورة ضد الرموز و الشخصيات.. و بالنتيجة لا يمكن الإبقاء على المنظومة الحاكمة و الاحتكام إلى دستورها وقوانينها و تشريعاتها؟؟؟ فما بني على باطل فهو باطل.. فبعد ثورة، لا بد من القضاء على جميع مكونات النظام الاستبدادي و الفاسد من تشريعات (دستور وقوانين و معاهدات) و مؤسسات و أجهزة(مجالس نيابية مزورة، و مجلس دستوري..) و أشخاص و رموز و شخصيات (العصابات الحاكمة)، و من ثم لا يمكن لهذه المكونات أن يكون لها موقع قدم أو مكانة في المشهد السياسي أو مشاركة في بناء النظام السياسي الجديد..فالدستور الحالي وضع من قبل أشخاص وهيئات غير شرعية و لم يقرّه الشعب بإرادته السيّدة.. فكيف يحتكم إليه لإجراء انتخابات أو إصلاحات و هو لم يقرّ من الشعب و ليس له أدنى قدر من المشروعية.. إنّ هذا لأمر عجاب؟؟؟؟!!!!.
10°)- إنّ طريقة الجمعية التأسيسية هو ربح للوقت و الجهد و المال..فالدستور هو الأصل و الرئيس هو الفرع فكيف نبدأ بالفرع قبل الأصل؟؟؟ .. فلو بدأنا بالانتخابات الرئاسية فإنّ الرئيس المنتخب قبل أن يبادر بالإصلاحات الدستورية عليه أن يحل المجالس المنتخبة بالتزوير ثم تجرى انتخابات لهذه المجالس النيابية و المحلية ثم تتم الإصلاحات الدستورية.. فكيف يكون مصير الرئيس المنتخب و المجالس المنتخبة إذا تقرر في الدستور تقليص صلاحيات الرئيس أو الأخذ بنظام الحكم البرلماني أو إلغاء أحد المجالس النيابية (مجلس الأمة).. هنا سنكون مضطرين لإجراء انتخابات جديدة لكل هذه الهيئات و المؤسسات و هذا هدر للوقت و المال و الجهد.. فأسلوب الجمعية التأسيسية سيجنب البلاد كل هذه السلبيات.
ملاحظات و تنبيهات:
1°)- أن الجمعية التأسيسية هي هيئة سياسية فنية يناط بها إعداد وصياغة دستور البلاد وفق ما يرتضيه الشعب أو أغلبية الشعب فلا علاقة لها بأي إيديولوجية و لا ينبغي أن توصف بأي صبغة إيديولوجية..فلا يمكن للجمعية التأسيسية أن تقرر ما لا يرضى عنه الشعب فإذا فعلت و رفض الشعب مشروع الدستور الذي أقرته الجمعية التأسيسية فإنّ هذه الأخيرة ستحل بقوة القانون ذلك أنّها لم توفق فيما اسند إليها من مهام و تعوض بجمعية تأسيسية أخرى منتخبة.
2°)- ليست المرة الأولى التي يقترح فيها إقرار دستور البلاد عن طريق جمعية تأسيسية منتخبة، فقد كان وضع دستور 1963 من اختصاصات المجلس التأسيسي المنشأ بحكم اتفاقية إيفيان، إلا أن الرئيس الأول(أحمد بن بلة) تملص عن هذا المبدأ، بإعطاء الضوء الأخضر للمكتب السياسي لمناقشة وتقويم مشروع دستور في جويلية 1963، وعرضه على المجلس التأسيسي للتصويت عليه، ثم تقديمه للاستفتاء الشعبي في سبتمبر 1963، وإصداره في 08 سبتمبر 1963.. مما أدى إلى سلسلة من الاستقالات على مستوى المجلس التأسيسي (فرحات عباس، حسين أيت أحمد…).
3°)- الجمعية التأسيسية يجب أن تكون منتخبة من قبل الشعب إما انتخابا مباشرا أو إنتخابا غير مباشر من قبل البرلمان (برلمان الثورة أو برلمان الشعب الجزائري)، فلا نقبل إطلاقا أن تتولى كتابة وصياغة الدستور الدائم للدولة الجزائرية لجنة أو هيئة غير منتخبة، فهذا يتنافى مع أبسط قواعد الديمقراطية و السيادة الشعبية.










